الجمعة، 2 يناير 2009

قصة قصيرة : "ملف تالف"

ملف تالف
(مهداه الى الصديق مصطفى زكى )

(1)
عاد منهكاً كعادته كل ليلة
الساعة قاربت الرابعة صباحاً
وقف منتصباً شارداً أمام باب الشقة
أخذ يتفحص تفاصيل الباب
وكأنه يراه لأول مرة
لكن هذة المرة أسترعى إنتباهه
بطاقة صغيرة ، مطويه ، محشورة بين الباب والحلق
نزعها... وبصعوبة حاول تفسير كلماتها
تسأل بضيق : ماذا يريد هؤلاء؟
قرر أن يتجاهل الأمر ... حتى يستطيع أن ينام ليلته

(2)
فى الصباح
وجد نفسه داخل سيارته
متجهاً نحو مبني مباحث أمن الدولة
فى الطريق تتداعت أمامه حياته التي مضت ... أخذ يستعرضها ...
احس بثقل الأيام وبمراره فى حلقه ...
أشعل سيجارة ... أخذ ينفس الدخان فى الهواء ...
أزداد طعم المرار فى حلقه .... أطفأها
لوهلة أحس بمن يراقبه ... وجه برىء ... ويد صغيرة ... تلوح له من وراء زجاج سيارة
.... تقدمت السيارة التى تقل البنت الصغيرة مبتعدة
.... ظلت تلوح له من الزجاج الخلفى حتى غابت وسط الزحام.

(3)
ما هو إلا الفضول الذى دفعه ليرسل إليه تلك البطاقة الصغيرة ليستدعيه
... منذ ايام قليلة وقع بصره و هو يقلب في الملفات القديمه على اسمه ... تذكره على الفور.
ألح عليه فضوله أن يعرف ما فعلت به السنون التى مضت ،
ورغم أن اللعبة تحذر على الجلاد أن يتعاطف ... أو حتى يشفق ،
إلا إنه قاوم شعورا داخلياً بالإعجاب به ... وربما الغيرة منه ...
تمني من أعماقه أن يكون مثله... فتاً ثائراً... مرفوعاً فوق الأعناق
.. يهتف شعراً للحرية ... يداعب أحلام الفتيات .... ويضج منام السلطات
لم يرضى أبدًا عن مسار حياته الذى رسمه له ابوه بدقه :
"لابد أن تصبح ضابط شرطة مثل أخوالك ...أو قاضى مثل أعمامك
... كل شىء معد ... والطريق مفتوح أمامك"
عاش عمره سجين أحلام وتطلعات أبيه.

(4)
بينهما وعلي المكتب ... ملف قديم مكتوب عليه اسمه بوضوح ،
خمس و عشرون عاماً ألقت ببصماتها على ملامح كل منهما ،
بذل مجهودًا كبيرًا ليخفى مشاعره الحقيقية ، أخذ يختلس النظر اليه
باحثاً عن ذلك الفتي الجسور الذى كان
فلم يجد سوى ملامح مجهده تنتظر فى ملل وإستعجال أن يتم إستجوابه.
: ماذا تفعل الأن؟
: بربي العيال !
: ألم يتصل بك أحد من أصدقائك القدامى؟
: ولماذا يتصل بي أحدهم ؟... لم أعد حتي أتذكر أسماءهم ..!
: .. ألا تدري أن هناك محاولات لإعادة تنشيط الحزب من جديد؟
: أى حزب ؟
: الشيوعى ..... أنت باين عليك شارب حاجة..!
أنفجر ضاحكاً ... حتى سالت الدموع من عينيه ... بدا وكأنه يبكى
.... أخذ وقتا حتى أستعاد بعض توازنه
وبتحد كمن يبعد عن نفسه شبهه مازات تطارده
: أنظر جيدا .. ياباشا .... تمعن هذه الميدالية التى أعلق فيها المفاتيح
... أنها من الذهب الخالص !... ألا تشم رائحة البرفان ! انه أصلى ومن أغلى الانواع !
... قم وأنظر من النافذة الى السيارات الكثيرة التى تحيط مبناكم العتيق
... ستجد أن أفخرها وأحدثها ... هى سيارتى !
نظر إليه بحسرة لم يستطع إخفائها
: وماذا عن الشعر ، هل توقفت عن كتابة الشعر، أقصد الشعر التحريضى ؟
فطن الى أن الحديث فضولى أكثر منه أى شىء أخر، فأبتسم بمرارة قائلا
: .... يبدو إنك غير متابع للحركة الفنية ياباشا ، لدى الأن اكبر شركة لإنتاج الأغانى فى البلد
...على كل الأنواع ... زى ماتحب ... غرامية عاطفية ... وطنية حماسية
... وشبابية .. وأفراح وأعياد ميلاد
هنا ساد صمت طويل بينهما ، أطرق برأسه وأحس بثقل كلماته على نفسه وعلى محدثه
نظر كل منهما للأخر ... ورغم أن مايفرقهما كثير وحقيقى ... الا أنه جمعهما شعور
.. بالفقد .. لماضى لا علاقة له بالحاضر الذى يحييانه .. بمقدمات لم تفضى لأى نتائج
... ونتائج لم يكن لها أى مقدمات ... جمعهما ذلك الشعورالمميت بعبث الحياة ...
والممزوج بحسرة لاحدود لها ... شعور بسخافة لعبة خرج الجميع منها خاسرون.
أغلق الملف ودون أن ينظر إليه قال :"شرفت مع السلامة"

(5)
أراح رأسه المكدود ببطء على مسند مقعد السيارة ...
أنفصل عن الوعى للحظات ... وربما دقائق أو ساعات
... سبح فيها فى المنطقة الفاصلة بين الماضى والمستقبل ...
وحين أستعاد وعيه ... أدار المحرك ...
وأنطلق يبحث عن الوجه الذى لوح له من بعيد.

مصطفى الخطيب
أغسطس 2008

هناك 7 تعليقات:

مصطفى الخطيب يقول...

حلوة اوى يا بابا ياريت تستمر في كتابة القصص بس
كل سنة ياريت وحده

مريم مصطفى الخطيب

مصطفى الخطيب يقول...

حلوة أوي يابابا ،مؤثرةو نهايتهافيهاأمل..........

هالة مصطفى الخطيب

د. إيمان مكاوي ( أم البنين ) يقول...

قصة جميله فعلا ..تعبر عن حال الكثير من ممن غيرتهم الأيام
عن حال المباديء التي تتغير وتتلاشى مع الزمن
سعيدة بمعرفتي بمدونة حضرتك
تحياتي

Mo يقول...

Well,I´m not a fan of Short Stories, but tha Story seems to be in a fine style but not deep inough
Bravo Mostafa , I´m happy to see that the OLD MOSTAFA ELKHATEEB IS BACK AGAIN

مصطفى الخطيب يقول...

يبدو أنك صديق قديم
لم أستطع التخمين ...من أنت ؟
حاولت الدخول على البلوج ولكنه غير متاح
من أنت ؟

مصطفى الخطيب يقول...

وهل أصبح الملف تالفا بنسبة 100% .. أعتقد أن بحثه في النهاية عن وجه طفلة بريئة لوح له من خلف زجاج نافذة سيارة لا يعني غير أنه لازال داخله ينبض بالحب والجمال والحرية التي كان يكتبها شعرا في شبابه.

صديقي الغالي / الفنان مصطفى الخطيب
أهلا وسهلا بك في أول مشاركة .. أتمنى لك طيب الإقامة بين مبدعي ومبدعات واتا
أعرف أن لديك الكثير والكثير في مجال القصة والفن التشكيلي .. أترقب بشوق مشاركاتك التالية

يمكنك أخي مصطفى زيارة الرابط التالي ستجد فيه نوعيات إبداع أخرى مما تحب
http://arabswata.org/forums/forumdisplay.php?f=234

مع المودة الدائمة
أبو بكـر

Mohamed Soliman يقول...

This is one from the best short Stories I red